التخطي إلى المحتوى

تجديد ذكرى طه حسين د. علي زين العابدين الحسيني كاتب وأديب أزهري

ليس في وسع مؤلف أن يحصي ذكريات طفولته ووقائع حياته كلها في كتابٍ واحدٍ موجزٍ أو مفصلٍ، والعادة أن جلّ كتّاب السير الذاتية يكتفون بأهم الوقائع في حيواتهم، ويدورون حولها، لكن استطاع العميد طه حسين بمهارةٍ فائقةٍ تلخيص مراحل حياته في كتابه “الأيام” على نحو يبهر العقول، فإذا أضفتَ إلى ذلك أنّه رجل “ضرير” كتب تلك الأحداث بوصفٍ دقيقٍ وسرد بديعٍ استطعنا بعدها أن نرسم صورة ذهنية حقيقية بعيدة عن التعصب.
اتفق كما شئتَ معه أو اختلف، في قضايا قليلة أو كثيرة، لكن تبقى “الأيام” من أعظم كتب السير الذاتية، ومنها استلهم كثيرون طريقهم نحو الأدب، وقد سرد لنا تاريخاً وحقبة زمنية كأننا معه في تفاصيلها، فعشنا حياته وهمومه من طلاوة الحكي، وقوة الأسلوب.
ولن تكتمل صورة إحاطتك بكفاح العميد “طه حسين” في التعلم والتعليم من خلال قراءة سيرته الذاتية “الأيام” فحسب، بل يجب عليك أن تكملها بقراءة كتاب “ما بعد الأيام” لوزير خارجية مصر محمد حسن الزيات، وهو زوج ابنته “أمينة طه حسين”؛ حيث يستكمل في كتابه قصة الكفاح لطه حسين بأسلوب رشيق عن خبرةٍ ومعرفة تامة به، وقد ذكر في مقدمة كتابه أنّه عرف “طه حسين” مدة تسعة وثلاثين عاماً، ولذلك فأخبر الناس بطه حسين زوج ابنته الزيات.

(1)
التلميح في الحوار

يدرك القارئ لحياة عميد الأدب العربي “طه حسين” وما فيها من أحداث عظامٍ لأول وهلة أنها حياة مليئة بالمتاعب، فلم تكن سهلة تتسم بالرفاهية والترف كحياة غيره من أدباء عصره، فهي عبارة عن سلسلة متلاحقة من الصعوبات بدت منذ نشأته في القرية بداية مع شيخ “الكُتّاب”، وقد انطوت على كثيرٍ من الصراعات إلى آخر حياته، وربما نستطيع أن نؤرخ لأولى صراعاته القوية مع بداية معاركه الطاحنة على نظم التعليم في الأزهر إلى أن سافر إلى الغرب “فرنسا”، وكما هو معروف فإنّ العميد “طه حسين” ثالث ثلاثة أقاموا مدرسة التمرد على القديم في الأزهر “طه حسين – أحمد الزيات – محمود زناتي”، واستمر الصراع معه إلى أن عاد من “فرنسا” بآراء جديدة في الشعر الجاهلي ثارت عليه ثائرة النقاد والأدباء، فقابلوها بالانتقادات والردود والاعتراضات، وكانت جلها على صفحات الجرائد والكتب، واصطدم أيضاً بدعاة المذهب الأدبي القديم، فهاجمهم أشد المهاجمة، ومنهم الأعلام: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والرافعي، لكن مع كل هذا الصراع الدائم في حياته، هناك سر خفي في حياة طه حسين تعلمه مع كل هذه الصراعات وظل محتفظاً به حتى في ردوده مع مخالفيه ومنتقديه، وهو أنه دائماً ما كان يلجأ في كتاباته إلى الرمز والإيماء، ولذلك استطاع طيلة هذه السنين أن يتجنب الوقوع تحت قبضة أحد؛ لأنه من الكُتّاب الذين يستطيعون أن يحتالوا ليكتب ما يريد في أي مسألة، وقد يرجع ذلك إلى هذه المراحل الطويلة من الصراعات، فربما صنعت من طه حسين فكراً جديداً آمن به، وهو اللجوء إلى الإيماء بدل التصريح، فيستطيع بهذا المنهج أن يوصل أفكاره وآراءه دون أن يكون تحت طائلة القانون أو المساءلة من أحدـ، ولا يظننّ أحدٌ أنّه أمرٌ سهلٌ يكون لكل شخص مشتغل بالكتابة، فحينما يلجأ طه حسين لهذا النوع من الكتابة إنما هو لامتلاكه من أدوات اللغة وأساليبها ما يستطيع به أن يبين نظرته في أيّ قضية عامة دون أن توجه له أيّ لائمة، وهذا النوع من الكتابة في الحقيقة لا يدركه إلا الأذكياء، وقد يُحتاج إليه في كثير من الأوقات، فيستطيع الكاتب المتمكن توجيه العامة لأمرٍ ما دون التصريح بالأمر نفسه.

(2)
الصداقة

إذا كنّا نبحث عن عاطفة الصداقة وخصائصها وأطوارها بين الأدباء فهذا يجعلنا بالضرورة نتعمق في حيواتهم الخاصة؛ لأنّ الهدف من ذلك هو دراسة أحوال رجال كانوا سبباً في ارتباط كثير منا بكتابتهم، ولأننا نعتقد أنّ الحالة النفسية للأشخاص والجوانب الشخصية للأدباء لها دور فعال في تقييم ونقد أعمالهم الأدبية، وبما أننا نعيش في زمن يبحث عن الذات فكان التعمق في النفس وأحوالها أكثر مما كان عليه من قبل، نبحث عن الذات فيما نملك ويتملكنا، فيما يحيط بنا من شخصيات ويتحكم فينا، وهو أمر ورثناه أيضاً في مجتمعاتنا، فالتعمق في الحالة النفسية لا زال جزءاً من ثقافتنا، وهكذا تتوارث الأجيال التعمق في كلّ ما حولها من شخوص وأفعال، وقد بدت من مكونات الأدب قضية الصداقة بين أدباء العصر، وهذا المقال لا يعدو أن يكون من هذا القبيل، وهو إثبات حالة لاحظتها لم أجد لها في ظاهر الأمر أسباباً واضحة، ومن زاوية أخرى فإنّ التشابك المعرفيّ بين الأصدقاء ليس شرطاً أن يكون دافعه الغيرة المهنية أو الأدبية في كثيرٍ من المعارك، قد تكون الدوافع شخصية أو نفسية منذ الطفولة، ولم يلتفت لها في دراستنا، وهنا تكمن أهمية ارتباط الدراسات الأدبية بالجوانب النفسية، حتى تتضح الصورة متكاملة للشخصيات ذات التأثير الثقافيّ المهم، ومع إيماني أنّ الشخص تتطور أفكاره مع مرور الوقت، وهذا التطور الفكريّ -في نظري- ظاهرة صحية لا ينبغي الهروب منها، فالمرء النبيه في مراجعة كاملة لأفكاره، ومع التطور ربما تتولد لديه قناعات في اختيار أصدقاء جدد، أو عدم الحماس لبعضهم، إذ الصداقة لها ارتباطٌ وثيقٌ بالحالة الفكرية، وهذا بالطبع لا يمنع أن يكون المرء أصيلًا لا يقطع صلته بأصدقائه القدامى، أو في أقلّ الأحوال إذا أتيحت له فرصة الكلام عنهم فإنّما يذكرهم بالحالة التي كانوا عليها معه، خيراً كانت أو شراً، فليس من المعقول أن تكون على صلةٍ وثيقةٍ بأشخاص في مرحلة من المراحل العمرية، ثم يأتي ذكرهم بعد اختلاف الآراء وتجدد بعض الأقوال والأفكار لديك فتتجاهل صداقتك القديمة، على أن وجه الشبه في الأهداف والاتفاق في البدايات لا يلزم منه اتفاق النتائج، وأقرب مثال على صحة ذلك رجلان شغلا الساحة الثقافية بأعمالهما في مصر، وكانت قصة حياتهما بالأزهر وخروجهما عن القانون الأزهريّ في التعليم واحدة، ثم جاء الشبه الثاني في حياتهما ليسافرا إلى “فرنسا” للتعلم، لكن كانت النتائج مختلفة فيما بعد اختلافاً واسعاً، وهو أمر بديهيّ يكاد يكون معلوماً للجميع، فالاتفاق في بداية الحياة لا يعني حصوله في النهايات، وإنّي لعلى وعي تام بقضية وجود الخلاف ووقوعه، خصوصاً عند اختلاف الأهداف أو تجدد الاهتمامات، فلكلّ رجل قبلة وهدف وغاية تختلف عن غيره، إلا أنّه تبقى علاقة طه حسين بزميله أحمد حسن الزيات بالنسبة لي غامضة ومحيرة، أكاد لا أجد لها تفسيراً واضحاً، فحين يستشهد طه حسين بالزيات أثناء سرده لبعض الأحداث يذكره وكأنّه رجل عاديّ، لو لم يكن للقارئ معرفة مسبقة بالزيات واطلاع على تلك الحقبة الزمنية للثقافة في مصر لما عرف قيمة الزيات وجهوده المعرفية، بخلاف فعلة الزيات في مقالاته، فإنْ ذكر طه حسين في مقالاته احتفى به، وأضاف إليه المزيد من الألقاب والتقدير، فتشعر من خلال الكلام اعتزاز الزيات برفيقه طه حسين، لا زلتُ أذكر مقاله بعد وفاة صاحبهما محمود حسن زناتي، فكتب مقالًا في مجلة الرسالة بعنوان “أنا ومحمود وطه” ذكر في آخره أنّه ابتدأ مع طه حسين في الرُواق العباسي ومعهما الأمل والشباب ومحمود، وفي آخر العمر انتهيا إلى مجمع اللغة ومعهما الشيخوخة والذكرى ولا شيء!
أحصيتُ من قبل أكثر من عشرين موضعاً في كتابه “وحي الرسالة” يشيد فيها برفيقيه طه حسين ومحمود، ويبث فيها ذكرياته معهما، وأما العميد فحينما يذكر الزيات فلا تشعر معه بهذا الاحتفاء، بل إن اضطرّ إلى ذِكرِه ذَكرَه مجرداً من أيّ اعتزاز به. ومهما يكن فليست علاقة الزيات وطه حسين مما يجب الإغضاء عنها، وأراني مضطراً لذكر كلام وجهه أحمد الزيات لطه حسين بعد خلافٍ مشهور -كان أحد أطرافه توفيق الحكيم- على صفحات مجلة” الرسالة”، إذ كتب له:
“أخي طه! إن بيني وبينك ماضياً جليلًا لا تمحوه طوارئ الحاضر الحقير، وصداقة خالصة لا تكدرها شوائب الظن السوء، وذمة وثيقة لا تخفرها بوادر الكلام السريع، وإخوة كراماً جزعوا لهذا الخلاف ويسرهم أن ينقضي … فادع الله لي ولك أن يخرجنا منها، وأن يغنينا عنها، وأن يحفظ البقية من عمرنا الكادح في كنف رعايته وفضله”.
وإنّي لأذكر كلام الزيات في غبطة ولذة لما يحمله من مشاعر -أراها صادقة- تجاه رفيق عمره وزميل دراسته، وأتذكر أيضاً قولته الشهيرة: “كنا ثلاثة ألفت بيننا وحدة الطبع والهوى والسن”، ومع أني لم أقف على نصوص يحتفي بها طه حسين بزميله الزيات كنصوصه، إلا أنّي على يقين أنّ نظرة طه حسين الحقيقية للزيات هي نظرة تقدير وإعجاب واعتزاز، فلربما لأسباب خفية لم يعبر عنها كتابة، لكن تظلّ بعض المواقف بينهما خالدة، والمشاعر والأحاسيس إن تعاظمت قد لا نستطيع التعبير عنها أو البوح بها!
(3)

قضية التعليم

يقع كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” للدكتور طه حسين في مرحلة وسطى من إنتاجه المعرفي، ويمثل ظاهرة عامة في واقعنا الثقافي المعاصر، ويعدّ وثيقة تاريخية مهمة تباينت فيها الآراء، منهم من يراه نصاً حضارياً، وآخرون يرونه نكسة إلى الوراء، وتقف فئة موقف الوسط منه، وهو كغالب كتاباته التي اختلف حولها الدارسون والناقدون، والمؤيدون والمفندون، وتأتي قضية التعليم أهم القضايا التي تطرق لها طه حسين ضمن الحديث عن قضايا من غايتها أن تنقل الدول من مرحلة الجهل إلى دول حديثة متقدمة، ثم كان الحديث عن الثقافة كعنصر من عناصر تقدم التعليم، ولأجل ذلك طالب بالرجوع إلى الثقافات الأخرى، وعدم الاكتفاء بالحضارة العربية؛ ذلك أن التكوين المصري -في نظره- متشابك مع الحضارات الأخرى؛ خصوصاً اليونانية والرومانية القديمة. يأتي الكتاب في المرحلة التي أعقبت توقيع مصر اتفاقية ومعاهدة الشرق والاستقلال بينها وبين بريطانيا في عام 1936، وقد رأى مثقفو مصر أنها بعد تلك المعاهدة سوف تتقدم لتصبح واحدة من الدول الحديثة المتطورة، وهذا ما اختلف معهم فيه طه حسين، فبين في كتابه ما الذي سوف يكون لمصر في المستقبل بعد توقيعها، وهو ما وجه إليه كثيراً من النقد. تحدث طه حسين عن الأوضاع التي أعقبت توقيع الاتفاقية، فتطرق للحديث عن توقعات المصريين التي مضمونها أنّ مصر هي دولة عريقة تمتد جذورها عبر التاريخ إلى أقدم الأزمان، وسوف تسير على خطى ثابتة من أجل أن تصبح دولة حديثة، وقد قام المتخصصون في وضع خطط من أجلها تحقيق ما يتوقع حدوثه، إلا أن طه حسين رأى أنّ توقعاتهم تخرج بعض الشيء عن المنطق، فوضع في كتابه تصوراته عن مستقبل مصر، والتأكيد على أن مصر بثقافتها وحضارتها لا تنتمي للحضارة الشرقية نهائيا مما أثار ضجة كبيرة، وقد برر ذلك بأن تاريخ مصر يؤكد على تمتعها بعلاقة قوية مع الحضارات القديمة فأثرت وتأثرت بها، ولا يربط مصر وحضارتها بالحضارة العربية إلا أنها تتقاسم اللغة والديانة معهم، وكل شيء فيها عدا هذا يختلف عما يوجد لدى هذه الحضارة؛ كالعادات والتقاليد. واستولى موضوع التعليم على كثير من قضايا الكتاب، فأسهب في شرح مفهوم التعليم ومناهجه وأدواته ونتائجه، ومن اللافت النظر أن الواقع المعاصر يشهد أن التعليم المعاصر قريب جداً من الحال التي صوره عليه العميد، فأوجه الشبه كثيرة جداً، وبقاء الوضع على ما هو عليه منذ أكثر من نصف قرن مما يستدعي الدراسة، فمن ذلك ما سماه بحالة ازدراء المعلم العامة، فمن أغرب التناقض أن نزدري المعلم أو ننظر إليه نظرة عطف وإشفاق خير منهما الازدراء، ثم بعد هذه النظرة نطلب منه أن يشيع في نفوس طلابه مظاهر الكرامة والحرية والعزة، ومنها قضية الاختبارات، فمن الواضح أيضاً أننا لم نفلح منذ ذلك الوقت في إيجاد حل عملي للامتحانات، فالأمر فيها أنها وسيلة لا غاية، فيرى طه حسين أن الواقع التعليمي جرى على ما يناقض هذا أشد المناقضة، حيث جعلها غاية لا وسيلة، فأغلب الطلبة ينشأون على العناية بالاختبار والإكبار للشهادة معرضين عن العلم الغاية العظمى، وهو لب التقدم وخلاصته، والذي يتأمل ما حوله الآن يدرك أن الأمر كما هو منذ كتبه، ولا زال حال أولياء الأمور في تعاملهم مع مستوى أبنائهم كما هي، فيذكر طه حسين أن نتائج الاختبار إذا ظهرت غير مرضية عمت شكوى الطلاب وأسرهم، وكأنه يحكي واقع التعليم هذه الأيام، ولا مراء في أن نجاح خطط التعليم مرتبط بارتفاع مستوى الثقافة، ولا جدوى عن أي جهود ثقافية ما لم يفطن المثقفون أن التعليم ضرورة وغذاء للعقل والقلب، وهذا ما نادى به طه حسين إلّا أننا لم نفلح في ذلك حتى الآن! .

 

التعليقات

اترك تعليقاً