مشاهير

في محراب الوفاء حيث الراهب د. جمال التلاوى

ثمة لحظات في حياة الإنسان تتجاوز حدود الزمان والمكان، لحظات تُنسج من خيوط النور الخالص، فتصبح علامات فارقة في مسيرة العمر. . ثمة أرواح نادرة تعبر دروبنا، فلا تمر مرور الكرام، بل تترك في القلب توقيعا خاصا لا يمحى، وفي الذاكرة بصمة لا تتكرر ولا تُنسى.. من هذه الأرواح النادرة، يطل علينا رجل جمع في شخصه نُبل الأخلاق، وعمق الفكر، ورقة الإنسان، ورصانة الأكاديمي… إنه الدكتور جمال نجيب التلاوي.
لم يكن لقاؤنا الأول لقاءً عاديًا، بل كان درسًا في معنى الإنسانية الحقة. عندما زارني شقيقي المرحوم الأديب محمد رضوان – دون الجباس – أخبرني أن ابنته دينا قد اختاروا لها جامعة المنيا، وهو لا يعرف هناك أحدًا ليوصيها عليه. تذكرت حينها اسمًا لم أقابله بعد، لكنه كان يسكن قلبي قبل أن يسكن معرفتي: الدكتور جمال التلاوي.
كتبت له خطابًا وأعطيته ل “دينا”. . و هناك سلمته للدكتور جمال .. ما حدث بعدها كان أكبر من أن يوصف بالكرم أو الجود، كان تجسيدًا حيًّا لمعنى الأخوة الإنسانية. أخذها د. جمال التلاوى من يدها، دفع مصروفاتها بالكامل، وسعى حتى ألحقها بالمدينة الجامعية رغم أن مجموعها لم يكن يسمح بذلك. لم يكتفِ بهذا، بل أحضر لها كل ما تحتاجه في غربتها، وظل يتابعها بتوفير كل طلباتها و متطلباتها .. كان في ظهرها سندا قويا داخل أروقة الكلية .. يرسل لي نتائجها طوال سنوات دراستها، كأنه والدها أو شقيقها الأكبر.
هكذا بدأت حكايتنا: بفعل نُبل لا يُنسى، وكرم لا حدود له، من رجل لم يرَ من أوصاه صورة ولا شكلًا، لكنه رأى في الإنسانية ما يكفي لأن يكون أخًا وسندًا وعونًا.
دارت الأيام دورتها، ورشح الدكتور جمال التلاوي نفسه في انتخابات اتحاد كتاب مصر. .كان الوقت قد حان لأرد جزءًا يسيرًا من فضله، فكتبت منشورًا أطالب فيه كل الزملاء بانتخابه، وقمت بتوزيعه على كل من سيدلي بصوته هناك..لكن إحدى “الأرواح الطيبة” – كما وصفها الدكتور جمال بسخرية لطيفة – ذهبت إليه بالمنشور وأخبرته أن هناك من يوزع منشورًا عدائيا “ضده” في هذه الانتخابات ! يقول الدكتور جمال: “وضعت المنشور في جيبي، وعندما ظهرت النتيجة وأعلنوا نجاحي، فتحته لأقرأ ما كتبه هذا الذي كان يحاول النيل منى… وكانت المفاجأة!”
وجد أن المنشور يحمل اسم شاعر لم يقابله حتى ذلك الحين، لكنه كان يعرفه اسمًا ويحفظ من أشعاره وأغنياته الكثير . . يقول: “بعد قراءتي للمنشور بكيت من الانفعال ..فقد كان المنشور قصيدة حب في شخصي”.
هكذا التقت روحان في محراب الوفاء و إن لم تلتقيا بعد في الجسد، التقتا في عالم أرقى: عالم المحبة الصادقة، والوفاء النبيل.
جاءتنى دعوته الكريمة لحضور ندوة أدبية في الأقصر. أخبرته أنني لن أتحمل القطار كل تلك الساعات، فظل يناضل حتى حصل لي على تذكرة الطائرة. هناك التقينا أخيرًا، وكانت فرصة أن نجلس معًا، نتحدث في الأدب والحياة والوطن.
لكن القدر أراد أن يكتب فصلًا آخر في حكايتنا. أصابتني فجأة نوبة قلبية عنيفة، نُقلت على أثرها إلى المستشفى. لم يتركني الدكتور جمال لحظة واحدة، جلس بصحبتى الدائمة في المستشفى، يراقبني وأنا أذهب في غيبوبة وأعود، وعيناه تدمعان قلقًا. يقول عن تلك اللحظات: “كان يروح في غيبوبة ويتحدث ويلقي شعرًا من عالم آخر دون أن يعي. كنت أنا والأصدقاء في شدة القلق عليه، وعندما يفيق ويراني قلقًا والدموع في عيني، يبتسم ويطمئنني، ثم يعود إلى غيبوبته”.
عندما أخبروني أنهم سيحجزونني تحت الملاحظة لمدة أسبوعين، رفضت.. أبلغني أنه سيظل معي في المستشفى وسيوصلني بعد الخروج بنفسه إلى منزلي. إشفاقًا على أسرتي ومسؤولياته، رفضت أن أظل بالمستشفى، وأصررت على السفرو العودة إلى المنصورة رغم تحذيراتهم من ركوب المصعد أو الطائرة. أوصلني إلى المطار، وظل منتظرًا حتى أقلعت الطائرة، واستمر على اتصال بي حتى اطمأن على وصولي إلى المنزل سالمًا.
دعاني الدكتور جمال لزيارة المنيا أكثر من مرة، وكان في كل مرة يأخذني إلى فيلته في المنيا الجديدة، حيث حديقة كبيرة غناء تتمايل بها كل أنواع الزهور وكل أنواع الفاكهة. كنا نظل معًا ليلًا ونهارًا، نتحدث في الأدب والحياة، يقص لي تجربة حياته، مشواره مع الأدب، العراقيل التي وُضعت في طريقه – كما يحدث مع كل ناجح في مصر – وكنت أستمع إليه مستمتعًا بثقافته الكبيرة التي يعرضها بتواضع شديد.
و الدكتور جمال التلاوي ليس مجرد صديق وفي، بل هو مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها. أستاذ الأدب الإنجليزي والأدب المقارن بجامعة المنيا، الحاصل على الدكتوراه في النقد الإنجليزي المقارن، شغل منصب رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، ورئيس دار الكتب والوثائق القومية، ونائب رئيس اتحاد كتاب مصر، وعضو لجنة تحكيم جوائز الدولة التشجيعية.
له إنتاج أدبي ثري يشمل الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي، مثل “الخروج على النص”، و”تكوينات الدم والتراب”، و”الذي كان”. حصل على العديد من الجوائز والتكريمات، وترك بصمة واضحة في حركة الترجمة والمثاقفة في مصر والعالم العربي.
كان الدكتور جمال ينشر كلمات أغنيتي،،مدد مدد..شدي حيلك يا بلد،، تلك ويعيدها على صفحته أثناء الأيام المقدسة لثورة 25 يناير، موقنًا – كما قال – أن كلماتها تمنحنا قوة وعزيمة. وكلما مرت بنا أزمات الوطن، كنا نردد معًا كلمات الأشعار والأغنيات، نستمد منها القوة والأمل.
يقول عني: “لا أعرف كيف أكتب عنك، لكن اسمح لي أن أحتفي ببعض أغانيك على هذه الصفحة المتواضعة، ليشاركني أصدقائي محبتك، محبة كلمات أغانيك وأشعارك، محبة الوطن”.
وأنا أقول له: إن في داخلك حبًّا للجميع، وتسامحًا مع البشر والدنيا كلها. أنت الإنسان قبل أن تكون الأكاديمي، أنت الأخ قبل أن تكون الصديق، أنت القلب الكبير الذي يتسع للجميع.
لم يجمعنى مع د. جمال التلاوى سوىالحب، لم أحب إنسانًا كما أحببت هذا الرجل الجميل، الأصيل، الجنوبي، النظيف.. ولأنني لا أملك إلا قلمي، فلا أستطيع إلا أن أقدم له هذا المقال، تحية وفاء وتكريمًا لرجل علّمني أن الإنسانية ليست شعارات تُرفع، بل أفعال تُمارَس، وأن الأخوة الحقيقية لا تحتاج إلى معرفة مسبقة أو مصلحة متبادلة، بل تحتاج فقط إلى قلب نقي وروح نبيلة.
افترقنا جغرافيًا – ذهبت لبلاد الشمال وظل في الجنوب – لكننا لم نفترق روحيًّا. ظللنا نستكمل عبر الهاتف حواراتنا، أستمع إليه مستمتعًا ومستفيدًا من ثقافته الكبيرة وإنسانيته الأكبر.
يا دكتور جمال، يا صاحب القلب الكبير والروح النبيلة، هذه كلماتي إليك، قطرات من بحر امتناني، وشذرات من نهر وفائي. أنت لم تكن مجرد صديق، بل كنت الأخ والسند والعون، وكنت – ولا تزال – نموذجًا حيًّا لما يجب أن يكون عليه المثقف الحقيقي: عميقًا في فكره، نبيلًا في خُلقه، إنسانيًّا في تعامله.
في زمن قلّ فيه الوفاء وندر النبلاء، تبقى أنت منارة تضيء الطريق، وتبقى حكايتنا شاهدة على أن الإنسانية لا تزال حية، وأن القلوب الكبيرة لا تزال تنبض بالحب والعطاء.
مدد… مدد… و أنت يا دكتور جمال، مدد من أرواح النبلاء والأوفياء.
و
أترككم مع قصيدتي لهذا القديس الطاهر
الأستاذ الدكتور جمال التلاوي
عرفتك من زمان جدا في عهد قديم..
بقاله 300 فدان من التكريم
وشخص عظيم
بيملك في جمال طاغي
ولاغي الكل من حواليه
ولا كان باغي م الدنيا..
سوا كلمة حنان تسرج على الأوراق
توسع كل واحد شاف طريقه ضاق
ملاك مشتاق ..
يكون الكل من حواليه نجوم باينه
لا عمره جرب الغدر اللعين أبدا
ولا بيطيق وجوه خاينه
حياه صايمه في الصاينين
و صاينه حتى في الخاينين
في قلب البكر تل حنين ومليون تاج
عيونه باينه للمحتاج ..
نسيم يحميه من الحسره
يبص بشوق على بكره
في قلب 9000فكره عن الإخلاص
وعن كل اللي جاي من عالم المجهول
نبي ورسول من المولى
وحرفه صلى ع الورق اللي قدامه
ده كنز الله وأختامه
و خدامه
و قرآنه . و إسلامه
وقدامه حصان أشهب ب 1000 جناح
جمال رباني لو بيقول ..
بيبقى العالم المجهول رقيق وبراح
بيحمل جوه قلبه سماح.. لكل الكون
يكون في العون.. إذا احتجناه
إذا احتجناه ..يكون في العون
يقول الله إذا قولنا
ويسندنا ادإذا تعبنا . يكبرنا
إذا حاول غريب خاين يكدرنا
ويشعرنا ..
بان قلمنا أعلى نجم بين الناس
جمال حساس
وشايل حبنا فوق الكتاف من اول الرحله
بيحمينا من الوحله
ويرسم ع العسل نحله
ويفضل فارس الفرسان
ويفضل ضد ضلمه بترعش الجدران
و ضد العتمه والقرصان
و ضد الزيف
بيقسم في الرغيف بينه ..
وبين حتى عدوينه
ولا بيشيل عداوه لحد أو يغتاب
حبيبي القادر التواب
بلح رباني فوق النخله والنخله ..
بتلمس في سحابة شو ق
وتشبهله . في طلعتها لفوق جدا
جمال ..ديك الأمل يدن على سطوحه
يجيب روحه ..يقدمهالنا ..
يحكيلنا عن الأسرار
يعودنا على الإصرار
ويحمينا لهيب النار ..
من الراكبين على الموجه
جمال بيصلح العوجه
وبيجيب العنب لينا
ويزرع فينا رمان الحنان..
و التمر والحنطه
وجايب لينا 100 مليون هديه..
في ألف 100 مليون قماش شنطه
قريت اليافطه.. إسمه الباقي في قلوبنا
إذا تعبنا ..يطيبنا
إذا بعدنا ..يقربنا
إذا اتغربنا.. ييجي بحضنه يسقينا
ويطلع بينا فوق الفوق
من الخوخ الإلهي ندوق
يكلمنا بشكل رقيق
جمال فوق الطريق ماشي..
زعيم سابق في كل الناس
وقائد مهرته الإحساس
و أحلامه. يكون الكل متهني
ومستني الجميع علشان..
يقدم ليهم القربان
ويرقيهم بصوت كروان
يغطيهم ..و يسقيهم من النهر الحلال..
والبحر لو رايق
ولو يلقى في يوم صاحبه..
حزين جدا ..و متضايق
يسيب في جيوبه بسمة شوق و حنيه
جمال الصادق النيه
إذا باندهله بيجيني ..ويحميني
يخبيني ..إذا مجهول طرف عيني
ويحميني من الأوباش
لا عمر العمر ضاع أبدا في ليله بلاش
ولا عاش اللي عاشه غير بقلب حنون
ظهر ع الدنيا بعد ما قال إله الكون..
لقلبه الصافي.. ،،كن فيكون،،

بقلم الشاعر: ابراهيم رضوان
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق