وفاة الشيخ عايش جودة المناصير.. مات صاحب الدار… وبقي الكرم على النار

حين يرحل الرجال وتبقى المواقف:
الشيخ عايش جودة القلالبة المناصير العبادي (أبو كايد)
لم يكن الشيخ عايش – رحمه الله – رجلًا عابرًا في دروب الحياة، بل كان من أولئك الذين إذا ذُكروا قيل: مرّ هنا رجل. عرفناه سنين عدادًا، لا يغيّر الزمان معدنهم، ولا تُبدّل الأيام سمتهم، ثابتًا على الخلق، مستقيم السيرة، نقيّ اليد والقلب. كان حضوره هادئًا كنسيم الفجر، وكلمته موزونة، وابتسامته سابقة لحديثه، كأنها عهد أمان لكل من لقيه.
عاش مكافحًا، عزيز النفس، لا يطرق بابًا إلا باب السماء، ولا يستجدي معروفًا، فقد كان يرى الكرامة رزقًا، والعمل شرفًا، والتواضع رفعة. ربّى أبناءه وإخوته على أن الرجل يُعرف بأفعاله لا بصوته، وبمواقفه لا بادعائه، وأن الخلق هو الإرث الذي لا يضيع، والذكر الطيب هو البقاء الحقيقي.
كان – رحمه الله – من رجال الإصلاح، يسعى في الصلح كما يسعى العطشان للماء، لا يحمل في صدره غلًّا، ولا يعرف قلبه الخصومة. الكرم عنده سجية، والوفاء طبع، وإكرام الضيف عبادة لا تقبل التأجيل. ما جمعه من مال لم يكن أعظم مما جمعه من محبة، ولا ما تركه من أثر يفوق ما زرعه من خير.
وحين جاء يوم وداعه، جاءت جنازته على قدر سيرته؛ جموع غفيرة توافدت، لا لتشيّع جسدًا فحسب، بل لتشهد على حياةٍ عُمِرت بالخير. كانت جنازة معنى، لا عدد، ورسالة صامتة تقول: من عاش للناس عاش في قلوبهم، ومن أحسن بقي ذكره.
لكن المشهد الذي خَلّد حكايته، وجعلها حديث المجالس ودرس الأجيال، كان في يوم وفاته ذاته. فقد دعا – رحمه الله – إلى وليمة غداء في بيته بأم عبهرة / مرج الحمام، جامعًا وجهاء وشيوخًا من شتى مناطق الأردن، سعيًا للصلح ولمّ الشمل. نيةٌ صادقة، وبيتٌ مفتوح، وقدور على النار، وقلوب تنتظر الوفاق.
إلا أن قضاء الله سبق؛ ألمّ به وجع الصدر قبل وصول الضيوف، فنُقل إلى المستشفى، وبقي الطعام على النار، والنية على حالها، والخير لم يتراجع.
إعلان نبأ الوفاة
وهنا تجلّت عظمة الموقف، وظهر معدن الرجال. فقد اجتمع شقيقه الشيخ طالب جودة المناصير، وابنه المحامي كايد عايش جودة المناصير، وبقية الإخوة والأبناء، وقرّروا أن يُتمّوا الكرم كما أراده صاحبه. لم يُخبروا الضيوف بالنبأ قبل الغداء، وحين سُئلوا عنه قالوا: عايش في مشوار قريب، وسيعود الآن. فأُكرم الضيف، وأُدي الواجب، وحُفظ المقام.
بعد أن فرغ الضيوف من طعامهم، أُعلن الخبر… فبكوه كما بكت أهله، ونعوه كما يُنعى الرجال الكبار.
ذلك الموقف لم يكن تصرّفًا عابرًا، بل وصيةً حيّة، وتداعياته أعمق من لحظته؛ أعاد للناس صورة الآباء الأوّلين، حيث الكرم لا يُقطَع بالمصيبة، والوفاء لا يؤجَّل بالحزن، والضيف أمانة ولو انكسر القلب. موقفٌ أعاد تعريف الرجولة، ورسّخ في الذاكرة معنى أن يموت الرجل واقفًا، وتستمر قيمه بعد رحيله.
هكذا تُكتب السيرة، وهكذا تُختَم الأعمار:
بنيةٍ طيبة، وذكرٍ حسن، وأثرٍ لا يزول.
رحم الله الشيخ عايش جودة المناصير العبادي (أبو كايد)،
وأسكنه فسيح جناته.
- وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.